معجزةٌ، مغصٌ، وسفر

أخيرًا.. تسنى لي كتابة هذه التدوينة! أفكّر كل يومٍ بالكتابة ولا أجد مساحةً كافية، صحوتُ مبكرًا اليوم وقررت أن أكتب قبل أن أقوم بأي شيءٍ آخر، لم يمضي كثيرٌ من الوقت، لكن تغيّر الكثير.

حينما كتبت التدوينة ما قبل الأخيرة كان موعد دراستي قريب جدًا، إما أن أنضم للصف متأخرًا أو لا أنضم أصلًا وكنت أتوقع الخيار الأخير لأنّي يأست من الأول، لكنه قدر الله! بمعجزة تمكنت من الانضمام للصف متأخرًا أسبوعين بعد بدء الدراسة.

حبسة البكاء انفكّت، بكيتُ ثلاثًا في الفترة الماضية، أولها فرحًا، ثانيها وثلالثها قلة حيلة.. أظن، التأخير، اجراءات السفر، الجامعة والدروس الفائتة، العائلة والأصدقاء، شعرتُ أن كلّ هذا كثيرٌ عليّ.. في لحظةٍ ما فكرتُ بالتراجع لأنّي شككت في قدرتي على فعلها، لكنّي استمريت على كلّ حال وبلطف الله تيّسرت.

أظنّ أن أصعب شيءٍ في سفري هذا، غير أنه حصل فجأةً وعلى عجلة، هو أمّي، علاقتي بها وارتباطنا.

أمّي كانت تخشى أن أذهب للعمل في مدينةٍ أخرى وأبتعد عن البيت، لم تقل هذا بنفسها لكنّي كنتُ أعرف، عملتُ فترةً تدريبية في الرياض وعدتُ، ولم أُكلّف نفسي عناء البحث عن فرصةٍ وظيفية حتّى.. لأنّي حقيقةً لم أرغب، لا بالرياض، ولا بالعمل، ولا بالمجال الذي تخرجت منه، كنتُ مصرًا وكانوا زملائي يستغربون سلوكي هذا.

خشيت أمي من انتقالي للرياض، لكنّي نكبتُ أمّي ورحتُ لما هو أبعد من الرياض -سامحني الله- لتوها صرّحت لي بهذا، قبل سفري سمعتها تحادث زوجة عمّي قائلةً أنها لا تشعر أنها بخير بسبب سفري، لكنّها لا تقدر على قول أي شيءٍ لأني لطالما رغبت بهذا، وهنا.. كلّ احترامي، تقديري، محبّتي، وقلبي بأكمله أيضًا لأمّي.

هذا لم يكن سفري الأوّل، ولا الثاني.. أي أن ابتعادي عن البيت ليس جديدًا أو غريبًا، لكن هذه المرة وقعها مختلف، أظنّ لأن علاقتي بأمّي اختلفت عمّا مضى، في كلّ هذه الفترة الممتدة تعودت قضاء الصباح مع أمّي، كنتُ وحدي من أتواجد صباحًا دائمًا برفقتها.. أحضّر الشاي لنا، أحيانًا أتحمس وأقوم بتجاربٍ في المطبخ تفشلُ أو تنجح، وأحيانًا كانت تحضّر لي الفطور حتّى قبل أن أستيقظ.. ومع كلّ أحداث السنة الأخيرة، أظنّ أنّي صرتُ أقرب لأمي.. وربما، أنها صار تخافُ عليّ أكثر.

لم أشعرُ بالغربة ولا الحنين ولا ضيقة البدايات لحدٍ الآن، لكنّي أشتاقُ للصباح مع أمّي، إلى المشي وحيدًا ساعة الغروب، وإلى سعة بحري وصحرائي، الخليج والربع الخالي.

بشكل غريب، أشعرُ أن ما حولي كلّه مألوف، بالرغم من أنه على العكس، كلّه جديد، وأشعرُ أنّي محاطٌ ومحفوفٌ بلطف الله.. صعبٌ تصوّر كل هذه التغييرات في وقتٍ قصير، لكن بلطف الله، وكرمه ورحمته تيّسرت، فالحمدلله دائمًا، والحمدلله أبدًا.

هناك صدفةٌ انتبهت لها وأنا أقلّب الصور في هاتفي من أسبوع، تاريخ اليوم الذي يّسر الله فيه أمري، وبكيتُ فيه فرحًا، يصادف تاريخ عمليةٍ أجريتها العام الماضي، كتبت عنها في احدى التدوينات.. وأنها، على الرغم من أنها عملية صغيرةٌ جدًا، إلا أنها أوقعت بي نفسيًا. لا حالٌ دائم، فالحمدلله على كل حال..

مع الضغط المتوالي قبل السفر توقفت عن أمورٍ عديدة، عن المشي، والموسيقى، القراءة والكتابة والأفلام، أحد الصباحات اسيقظت بتعبٍ وقررت أن أستمع لخالد ولو لمرةٍ واحدة، استمتعت لـشراع الهوى وشعرتُ برغبةٍ بالبكاء، لأن لخالد، ولصوته وموسيقاه تأثيرٌ عليّ، تأثيرٌ يشبه تأثري بصوت أمّي.

بعد وصولي تكررت التجربة حينما رغبتُ بسماع أصواتٍ نسائية عربية، وشعرتُ أنهنّ جميعًا يحتضنني بأصواتهنّ، المشاركة الأولى لكم، والمشاركة الثانية.

قبل أن أنهي التدوينة، أوّد الكتابة عن شخصين اثنين، ربما تكون هذه تدوينةٌ عشوائية كأغلب أو كلّ تدويناتي! لكن لا بأس.. فلتكن عشوائية.

الشخص الأول شخصٌ درّسني في المرحلة السابقة، كنتُ محتارًا بشأن مراسلته وإخباره بأمر دراستي، أسألُ نفسي.. له داعي؟ ما له داعي؟ بيني وبينه مواقفٌ عديدة أثناء الدروس.. وهو من رشحني للجهة التي تدربت فيها بعد تخرجي، عندما درّسني كان حديث التخرج ولتوّه باشر الوظيفة، كنتُ في أول دفعةٍ درسها! (: كنتُ سعيدًا لأنّي عرفتُ شخصًا مثله، بعلمه وأدبه وأخلاقه، دائمًا ما كان يساعد الجميع حتى ولو خارج نطاق مهامه وعمله.

كتبتُ له رسالةً طويلة قليلًا، عرفتُ بنفسي في أولها، ثم شكرته وعبّرت له عن امتناني لأنه درّسني، وأخبرته بما كنت أوّد أخباره به، فرّد عليّ بعد دقيقتين تقريبًا، قال:” ثواني وأرد، أنا الآن في الطائرة.” فرجوت له السلامة وطلبت منه أن لا يتعجل لأنه أمرٌ غير هام.

ردّ عليّ بتسجيل صوتي طويل، وفاجئني بردة فعله وفرحته التي لم أتوقع أن تكون بهذا الحجم! قال لي:” فخور لدرجة أنّي وريت اللي حولي رسالتك، وأقول لهم هذا طالب درسته”. مجددًا شعرتُ أن كلّ هذا كثيرٌ عليّ، وفرحتُ لفرحته مرتين أخرتين غير مرّتي الأولى.

الشخص الثاني هو شخص يدرّسني الآن، قبل وصولي راسلتُ كلّ من يدرسوني أعتذر عن تأخري وعن عدم قدرتي على الحضور، كلهم ردّوا عليّ كتابيًا بما يجب عليّ فعله، إلا هو عرض عليّ أن يفتح لي اتصال فيديو خاص لكيلا يفوتني أي شي، اعتذرت منه لأن الموعد الذي أعطاني إياه يصادف يوم رحلتي، والتي كانت قبل موعد درسه بيوم واحد، فرد عليّ أنه يترقب لقائي في الجامعة.

أخذتُ وقتًا لأصل ولم أتمكن من الذهاب للجامعة ولا حضور درسه، فتحت الجهاز لأكتب له اعتذارًا لأجده سبقني وراسلني قائلًا أنه يتفهم عدم حضوري، وأنه لا يجب عليّ أن أقلق، وكتب لي قائمةً تفصيلية فيها كل شيءٌ أحتاجه قبل الدرس القادم! شعرتُ بالإحراج وتأكدت من أن أُنجز كل شيء وأكون من أول الحاضرين يوم درسه، بالفعل كنتُ أوّل من دخل الصف.

ألقيتُ عليه التحية وقبل أن أتمكن بالتعريف عن نفسي رد علي: ” أهلًا بحر!” هذا وهو لقاؤنا الأول وأؤكد لكم أنه لم يرى وجهي من قبل! طيلة الدرس كنتُ أحاول فهم ما يحصل، وعند نهاية الدرس رأيته ممسكًا بالباب ليخرج الطلاب قبله، فجئت أمسك له الباب ليخرج هو ولم يبقى أحدٌ سوانا فلم يسمح لي وقال:” لا، من بعدك”!

متعجبٌ.. ، وكثيرًا.. لاحظت من مراسلته أن اهتمامه بوضعي كان مختلفًا عن البقية، وعندما التقيته على أرض الواقع تأكدتُ أن هذا إنسانٌ مختلف، يعامل الجميع بدرجة عالية من الإحترام واللطف والإهتمام، حتّى طريقة حديثه مع الطلبة مختلفة.. لا أعرف كيف أصف لكم هذا لكنّي أظنه ملاكًا.

بعد درسه عدتُ للبيت وأنا أفكّر، أنا قرأت كلّ السير الذاتية لمن يدرسونني وأعرف أن أحدهم قد درس الموسيقى في المرحلة الجامعية الأولى، رجعت لأتأكد.. وطبعًا.. طبعًا سيكون هذا الملاك هو الموسيقي نفسه! هل تفاجئنا؟ لا. الآن، وفقط الآن، يبدو لي كونه بهذا اللطف منطقيًا! ههههههههههههه الله يهديك يا بحر تنتظر أي فرصة لقول هذا الكلام. xD

لكن سعيد به جدًا جدًا، هذه متعتي أصلًا.. ألّا أتعلم فقط من المادة التي يدرّسني إياها، بل أن أتعلم منهُ كإنسان.

ولأتذكر أيضًا، ألّا أترك الموسيقى والفن، مهما لفّيت ودرت.

وأخيرًا، تدوينة أطول من بحر نفسه؟

هذا كل شيءٍ،

لليوم على الأقل :d

3 ردود على “معجزةٌ، مغصٌ، وسفر”

  1. أهلاً بحر..
    راق لي نمط كتاباتك، كما راقت لي تدوينتك هذه.. العشوائية المنظمة للغاية مع كم جيد من التفاصيل.
    حمداً لله على سلامتك، حفظ الله والدتك وحفظك لها، وبالتوفيق في دراستك🌷.

    Liked by 1 person

    1. أهلًا بك يا ريمة!
      شكرًا لوقتك ولقراءتك للتدوينة، أسعدني تعليقك فشكرًا جزيلًا!
      سلّمك الله من كل شر وحفظك الله لأحبابك، وفقنا الله جميعًا ولكِ بمثل هذه الدعوات الطيّبة (:

      Liked by 1 person

  2. الجنة تحت أقدام الامهات… تذكر هذا دائما وستكون بخير

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: