استعادة نَفَس، وتوثيقٌ ليوم

منذ فترة ظهر عليّ عرضٌ غير طيّب وحاولت اخفاءه في البداية، حتى أثقلني في أحد الأيام فأخبرت أحد إخوتي عنه وطلب منّي ألّا أقف ساكنًا، تواصلتُ مع وزارة الصحة وطلبوا منّي زيارة الطبيب العام، خاصةً بعد معرفتهم إن العَرض رافقهُ انخفاضٌ في الوزن. 

انخفض وزني في السنة الأخيرة، وانخفض أكثر في الأسابيع القليلة الماضية بشكلٍ غريب.. أنظر في المرآة، متعجبًا.. لم أتخيّل يومًا أن لجسدي القدرة على الوصول لهذا الشكل، وغريبٌ.. أن أبدوَ غريبًا عنّي. 

سبب العرَض إما تعبٌ وإجهاد، أو مشكلةٌ ما.. وقلقتُ من الثانية، لا أخفيكم.. أُصبت بالضيق.. مهما بدا بسيطًا الآن، إلا أنه تأثيره وقتها، ليس سهلًا أبدًا. 

لم أنتهِ بعد من كامل الإجراءات لأتمكن من حجز موعدٍ مع الطبيب، فقررت أن أهتم أكثر للراحة والغداء ريثما تنتهِ الإجراءات.. وصادف أسبوعًا من غير حضورٍ إلى الجامعة، وحمدًا لله.. اختفى العرض.. أظنني حتى اكتسبت بعض الوزن، لا حاجة للقياس فقط يكفي أن أنظر للمرآة. 

الآن فقط استوعبت أنّي الفترة الماضية فعلتُ الكثير مما أجهدني من غير أن أشعر، عليّ الراحة.. فيما يخص الطعام حاولتُ أن أنوّع مكونات الوجبة قدر ما استطعت، وأن آكل أشياء لذيذة حتى لو كانت غير مفيدة لأفتح شهيتي! اشتريت كعكة جزر ورقائق بطاطس. 

هم، وانزاح.. حمدًا وشكرًا لله، خرجتُ لأتمشى بعدها، أقضي أغلب الأيام مشيًا بما أنّي لم أضطر للذهاب إلى الجامعة، مررت بمحل نباتات كان يسحبني نحوه في كلّ مرةٍ أمر، دخلت.. وكأنّي انقطعت عن العالم ودخلتُ جنّةً صغيرة. 

جمالٌ في جمالٌ، كنتُ أرغب بضمّ رفيقٍ أوّل أو رفيقةٍ أولى إليّ، لكن حيرتي حيرة بشأن الشراء في هذا الوقت، دائمًا أسأل نفسي، ماهو أكثر أهميةٍ الآن؟ وعلى أية حال، كسرت حيرتي وصمتي صاحبة المحل سائلةً أن كنت أرغب بشيءٍ معين؟ فقلتُ لها، شيءٌ صغير! 

أحضرت لي عدة نبتات، واخترت منها أصغر نبتةٍ تقريبًا، قطر حوضها أصغر من كفّ يدي، لكنها تكبُر، وهذا ما أودّه وآمله.. أن تكبر معي. 

خصمت لي صاحبة المحل من سعرها من غير أن أطلب، وأعطتني تعليمات العناية بها، ثم.. لم أتوقع أن تأثير النبتة سيطغى عليّ بهذا الشكل، كنتُ مبتسمًا طيلة الطريق حتى وصلت إلى البيت و وضعتها قرب النافذة (:. 

خبرٌ جميلٌ آخر، المشفى سمحوا لي بالصيام، أخيرًا! لم أصم أي يومٍ من رمضان الماضي، وبعض الأيام من رمضان الذي سبقه، بدأت الصيام يوم أمس.. استيقظت الرابعة فجرًا لوجبة السحور، ثم أكملت اليوم حتى اقترب المساء فخرجت للمشي واشتريت سمبوسة من محلٍ هندي يبيع سمبوسة بحجم وجهي، لا أبالغ، هل وجهي مثلث الشكل؟ هذه نظرية. ثم حضرّت شوربة وجاء وقت الأفطار، لم أشعر بالجوع أو العطش مع أنّي لم أصم من وقتٍ طويل لكنّي شعرتُ أن جسدي يفتقد الترطيب. 

صحوت اليوم، لم أصم، لا أوّد أن أُجهد نفسي، حضرّت فطورًا بسيطًا وقمت بغسيل الملابس، طلبت بإيصال شيءٍ لبيت صديقي، فكلّمني يستفسر إن كنت أنا من أحاول إرسال شيءٍ له، فجحدته وجحدت نفسي، “وأنا مالي؟” قلت له، انكر لآخر لحظة يا بحر. 

ثمّ ذهبتُ إلى المكتبة لأنّي واعدتُ شخصًا على اللقاء هناك وكانت هذه مرتي الأولى، غريبة المكتبة.. غريبة، فيها شعور قدسية غريب.. كأنّها دار عبادة، لكن ما هي دار عبادة، هي مكتبة، فيها أقواس، ونوافذ طويلة، وأنا أحب الأقواس والنوافذ الطويلة. 

قبل مدة أخبرني هذا الشخص إنه لم يتذوق شيئًا جيدًا مذ جاء هنا، وسألني إن كنتُ قد أكلتُ طعامًا حسن المذاق، فأجبته، الطعام الذي أطهوه أنا! بكل تأكيد، إضافةً إلى لفائف قرفة بصوص البرتقال، فجئتُ بها له اليوم، وهو جاء لي بقهوةٍ بجوز الهند، هكذا صدفة! (: 

عملنا لبعض الوقت ثم قررت أن أعود وأتركه يكمل عمله، جرّبت اليوم طريقًا آخر غير المعتاد، خشيتُ أن أضيع في البداية.. لأنني لا أزال أضيع! غريبة هذه المدينة، وغريبٌ شعوري اتجاهها.. أحاول فهمها، وحُبها ربما. 

عدتُ وحضرّت وجبة الغداء، تتخذ الأطباق هذه الأشكال عندما أبدأُ بتحضير الطعام من غير إرادةٍ منّي! 

في العصر، لاحظتُ اختلاف النور في المكان، نظرتُ إلى النافذة وكانتُ السماء مزدانةٌ بتداخل الغيوم وأشعة الشمس، وعندما تكونُ السماء بهذا الجمال، يصعبُ عليّ تركها والنظر إلى شيءٍ آخر. 

قبل أيام وأنا أمشي حول المنطقة، وجدتُ مقهى أظنه مميز لكنّي لم أطل البقاء ومشيت، ثم بحثت عنه، لأجده ليس مقهىً فحسب.. بل مكانًا يستضيفُ دروسًا وعروضًا ولقاءات، وجدتُ دروس تصوير عبارة عن جولات حول المنطقة وتصوير، ببساطة! لكن أوقاتها لم تكن مناسبة للأسف، رأيتُ خيارًا آخر وكانت دروس رسم فقررت الانضمام لجلسةٍ واحدة، وكانت موعدها مساء اليوم. 

في الحقيقة لم تكن هذه خطوةً سهلة بالنسبة لي، لأنّي أحملُ بداخلي نوعًا من الخشية أحيانًا.. اتجاه الأماكن الجديدة، ومحادثة النّاس.. أحيانًا يغدو الكلام صعبًا، ومثالٌ بسيط.. يسهل عليّ أن أفرّ المحل خمس مراتٍ باحثًا عن شيءٍ صغير على أن أفتح فمي لأسأل صاحب المحل عنه! 

لا أعرف ماهي مشكلتي تحديدًا، لكن هذه المشكلة تظهر على السطح وتختفي أحيانًا.. لهذا أحتفي الآن بأيّ حديثٍ صغير أقوم به. 

رحتُ هناك بعد صلاة المغرب، أضعتُ المدخل! وتشجعت لسؤال مارٍ في الطريق لنكتشف أننا ذاهبين سويةً لنفس الدرس (: 

دخلنا، ثم عرّفنا عن أنفسنا.. أخبرتهم إن هذا شهري الأول هنا، أبدو “جديدًا” ومضحكًا وهم أغلبهم سكان هذا الحي منذ زمن، لكن هذا ما كنتُ أودّه تحديدًا.. التعرّف على مجتمع غير مجتمع الجامعة الجنونيّ، ولنترك مجتمع الجامعة لتدوينةٍ أخرى. 

بدأنا بالرسم سريعًا واستخدمنا الباستيل، بالأبيض والأسود والألوان، مرةً لتحديد الضوء ومرةً لتحديد الظل، ورسمت على ٤ أوراقٍ مختلفة في ساعتين، الله أكبر يا بحر.. أنا وحدي أجلسُ أسابيعًا ولا أنهي عملًا واحد، كل دفتري عبارة عن رسماتٍ غير مكتملة. 

لكن، مرةً أخرى.. كأبلهٍ حاملٍ نبتة يمشي مبتسمًا، كنتُ أبتسم عند النظر لأعمال من حولي (:

أعمال الجميع عند نهاية الدرس:

استمتعت جدًا، حينما عدت كان الهدوء والظلمة والبرد، وهلالٌ بين الغيوم في السماء يسكنون المشهد. 

لا أخرج في الليل، لأنّي أفضّل التقوقع داخل غرفتي في هذا الوقت، ولأنّي أفضّل النوم مبكرًا جدًا. 

لكن المدينة اختلفت في الليل، وصار لها وقعٌ آخر. 

يومٌ طويل، جدًا بالنسبة لي، وكثيرٌ عليّ هذا في يومٍ واحد، لكنّي كنتُ مستمتعًا في أعمق نقطةٍ داخلي، وأصرّيت على كتابة هذه التدوينة قبل أن أخلد إلى النوم، لم أرغب بأن تضيع.. حتى ولو كنت أكتب بخليةٍ واحدة باقية داخل عقلي! 

أظنني سأعتكف وأصمت غدًا. 

والآن، أظنني سأستسلم أخيرًا.. الحمدلله دائمًا والحمدلله أبدًا، عمتم صباحًا ومساءً.

9 ردود على “استعادة نَفَس، وتوثيقٌ ليوم”

  1. تفاصيل كثيرة ولطيفة للغاية.. إنه من الجميل والمهم بذات الوقت -من وجهة نظري الخاصة- توثيق مثل هذه الأيام؛ حتى لا تُنسى وللجوء إليها مُستقبلاً.
    عافاكَ الله من آلامك، ومُبارك لك كل هذه الطاقة للتعامل مع المجتمع المحيط، وآنسكَ الله بنبتَتِك🪴
    كما أُحييك على تفضيلك للتمشي؛ إنها عادة مريحة.

    Liked by 1 person

    1. أتفق معك ريمة، تدوين اليوميّات والرجوع إليها أمرٌ حَسن، الله يعافيك ويحفظك من كل شر، وآنسنا الله وإياكم بكل خير (:
      المشي مساحة هامة في كلّ يوم، هكذا أراه..
      شكرًا ريمة لقراءتك وتعليقك، طاب يومك (:

      Liked by 1 person

  2. النبتة فكرة حلوة المهم ما تنساها ، بعض الأنواع صبورة وحلوة تظل فترة طويلة خاصة لو كانت من نوع توضع بالماء مو تراب ، والمكتبة أكيد روعة حسافة ما صورتها يارب في التسكعات القادمة ، المشي والاكتشاف أحلى ما بالسفر لازم تحلله قبل تنشغل جديا ً وبالتوفيق ..آنس الله غربتك و ردّك لأهلك سالم غانم

    Liked by 1 person

    1. النبتة ألقي عليها التحية صباحًا ومساءً عند الصحو وعند النوم من فرط الأُنس بها xD لا أظن أنني سأنساها إن شاءالله، المكتبة عندي لها لقطات سريعة لم أضمّها للتدوينة، لكن ولا يهمكم في المرّات القادمة سآخذ لها لقطاتٍ بتروي وأضمها في تدوينة أخرى إن شاءالله (:
      شكرًا أسماء على الدعوات الطيّبة، وفقنا الله جميعًا لكل خير، والله يجزاك كل الخير.

      Liked by 1 person

  3. أقرأ هذه الكلمات في الصباح الباكر ولم أفطر بعد وأقرأ عن السمبوسة والآن أنا جائع حقاً 😅 في البيت أصبحت السمبوسة وجبة رمضانية لكن لا نأكلها كل يوم بل مرات قليلة وغالباً لأن الجيران يرسلونها، أخي أحياناً يشتري نوع مختلف لعله هو ما تقصدينه، حجم السمبوسة يكون كبيراً وتكفي الواحدة منها لأي شخص، أظنه يسمى سمبوسة بنجابي.

    لعلي أشتريها من مطعم هندي اليوم 🙂

    Liked by 1 person

    1. أهلًا بك في المدونة يا عبدالله (:
      المعذرة على ما سببته حكاية السمبوسة هههههههههه، في بيتنا أيضًا ارتبطت السمبوسة برمضان أكثر من أي طبق آخر، وبعد البحث أظنها ذاتها السمبوسة البنجابي! في ذلك المحل كل شيء حجمه مضاعف حتى الـ Spring roll بحجم شطيرة كاملة عوضًا عن أصابع صغيرة xD وهذا كرمٌ جميل، بالعافية مقدمًا عبدالله (: !

      إعجاب

  4. […] استعادة نَفَس، وتوثيقٌ ليوم، كما باتت تدوينات بَحر جزءاً مهماً من المهام اليومية عندما ينشرها، تعرَّفت على مدونة بَحر من الفِهرست وأنا ممتنة له؛ إن نمط توثيقه ليومه يجوب بي لأزقة هادئة ومقاهٍ كلاسيكية مُنزوية مع الكثير من التمشِّي تحت السماء المُلبدة بالغيوم؛ شعور لطيف :)) . […]

    Liked by 1 person

  5. >> وأصرّيت على كتابة هذه التدوينة قبل أن أخلد إلى النوم، لم أرغب بأن تضيع.. حتى ولو كنت أكتب بخليةٍ واحدة باقية داخل عقلي
    أعجبني هذا التعبير جداً، بالنسبة لي المشكلة أن الخلايا التي ترغب في النوم لا تترك للخلايا الصاحية مجال للكتابة

    Liked by 1 person

    1. ههههههههه هذا تعبير مأخوذ من الإنجليزية last working brain cell وعليه نكات كثيرة عندما يصل الإنسان إلى حالة من التعب والفهاوة لا تمكنه من التركيز في أي شيء. وصراحة أعتقد من الأفضل أن تفوز خلايا النوم في كل مرّة :p

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: